
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ “ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ـ وَقَالَ ـ يَدُ اللَّهِ مَلأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ـ وَقَالَ ـ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ". صحيح البخاري ومسلم حديث ٤٦٨٤ - ٩٩٣
Narrated Abu Huraira: Allah’s Messenger (peace be upon him) said, ”Allah said, ‘Spend (O man), and I shall spend on you.“ He also said, "Allah’s Hand is full, and (its fullness) is not affected by the continuous spending night and day.” He also said, “Do you see what He has spent since He created the Heavens and the Earth? Nevertheless, what is in His Hand is not decreased, and His Throne was over the water; and in His Hand there is the balance (of justice) whereby He raises and lowers (people).”
Sahih al-Bukhari 4684 In-book reference : Book 65, Hadith 206 / Sahih Muslim 993b In-book reference : Book 12, Hadith 46
شرح ألفاظ الحديث:
ه((إِنَّ اللّهِ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)): وفي رواية مسلم: “قال الله تبارك وتعالى: يا بن آدم أنفق أنفق عليك"، وليس فيها ولا في رواية البخاري: (إن الله قال لي)، فيحمل تخصيص النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الرواية لكونه رأس الناس، ليعمل بهذا الخطاب ويبلغ أمته.
ه((أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)): (أنفق) الأولى بفتح أوله وسكون القاف بصيغة الأمر بالإنفاق, و(أنفق) الثانية بضم أوله, وسكون القاف بصيغة المضارع جوابًا للأولى، وهذا وعد من الله بأن يخلف على عبده ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ [سبأ 39].
ه(( يَمِينُ اللّهِ )): وفي رواية البخاري (يد الله) وفي الحديث (وبيده الأخرى القبض)، واليدان صفة ذاتية خبرية لله عز وجل، أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة كما يثبتون باقي صفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وسيأتي في الفوائد الحديث عن هذه الصفة.
ه(( يَمِينُ اللّهِ مَلآى )): (ملآى) بفتح الميم وسكون اللام ثم همزة مع القصر، وفي هذا اللفظ بيان أن الله سبحانه غني وعنده من الرزق مالا نهاية له.
ه(( لاَ يَغِيضُهَا )): وفي رواية مسلم الأخرى: (لا يغيضها شيء)، وفي رواية للبخاري: (لا يغيضها نفقة)، وهي بفتح الياء الأولى وإسكان الثانية وكسر الغين؛ أي لا ينقصها نفقة: ويقال: غاض الماء يغيض: إذا نقص.
ه((سَحَّاءُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)): (سحاء) ضبطت في الروايات بوجهين بالنصب (سحاءَ) على أنها مصدر وبالرفع (سحاءُ) على أنها صفة لليمين في قوله (يمينُ الله)، والصفة تتبع الموصوف في الإعراب، ويجوز أن تكون سحاءَ، وخبر لـ (يمين) كما أن ملأى خبر لـ (يمين) أيضًا والنصب أشهر، ومعنى سحاء؛ أي كثيرة ودائمة الصب.
ه(( اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ )) ضُبطت بوجهين أيضًا بالنصب (الليلَ والنهارَ) على الظرفية، وبالرفع (الليلُ والنهارُ) على أنه فاعل.
ه(( فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ )): أي لم ينقص ما في يمينه.
ه(( وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ )): مثله قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ﴾ [هود: 7]؛ أي: إن عرش الله جل وعلا كان قبل خلق السماوات والأرض، وكذلك الماء قبل خلق السماوات والأرض، وكان العرش تحته الماء؛ إذ ليس تحته سماء ولا أرض؛ لأنهما لم تخلقا، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (7418) من حديث عمران بن حصين قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ((كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء))، والعرش في اللغة: هو سرير الملك، وفي الشرع هو العرش العظيم الذي استوى عليه الرحمن جل وعلا وهو أعلى المخلوقات وأكبرها وأولها إيجادًا.
ه(( وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْقَبْضُ )): والقبض هو الموت، وجاء في رواية أخرى (الفيض)؛ أي العطاء والإحسان والرزق الواسع، وجاء في رواية للبخاري (7411): "وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع"، (يرفع ويخفض)؛ أي يعلي ويضع، ويُعز ويُذلُّ، ويفعل ما يريد من الشيء ونقيضه؛ [انظر المفهم 3/ 39].
من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: في الحديث الحث على النفقة؛ لقول الله عز وجل: (أَنْفِق)،وفيه تبشير هذا المنفق ووعده بأن يُخلف الله عليه بقوله: (أنُفِق عليك)، وفي كتابه قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ [سبأ 39 ].
الفائدة الثانية: في الحديث دلالة على أن الإنسان ينبغي له أن يستشعر صفات الله عز وجل، أتم الاستشعار، وما تتضمنه تلك الصفات من معان عظيمة، ووجه ذلك أن الله عز وجل بشَّر من أنفق في وجوه الخير بأن ينفق عليه، ثم بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما عند الله من العطاء العظيم الوافر فوصفه بما يلي:
أ- (يَمِينُ اللّهِ مَلآى)، وهذا يبيِّن أن ما عند الله من الرزق والعطاء مالا نهاية له.
ب- (لاَ يَغِيضُهَا)، وهذا يبِّين هذا العطاء لا يُنقصه شيء ليدفع بهذا الوصف توهم نقصان هذا العطاء العظيم.
ج- (سَحَّاءُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) من السح وهو كثرة الصب ودوامه، وقرن هذا الوصف بما يدل على استمراره، فقال: (الليل والنهار)، ليقطع بذلك توهم انقطاع هذا العطاء منه سبحانه.
د- ثم بيَّن أن هذا الأمر لا يخفى على ذي بصر وبصيرة ومن له تأمل، فقال: ((أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ))، ومن تأمل هذا كله عرف ما عند الله من الغنى وكمال السعة والنهاية في الجود وبسط العطاء، فسارع للإنفاق في سبيله لاستشعاره ما عند الله من العطاء، ومن زاد تأمله بألفاظ الحديث أدرك في العطاء أسرارًا وأسرارًا لم تُعط حقها في شرح مفردات الحديث، فلله الكمال المطلق في ذلك الذي لا يلحقه نقص نسأله سبحانه من فضله الواسع هذا ما جاء في حديث الباب، وأما فضل النفقة وما يترتب عليها من ثواب في الدنيا والآخرة، ففيه أحاديث كثيرة مستفيضة ستأتي لاحقًا بإذن الله تعالى.
الفائدة الثالثة: في الحديث دلالة على إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى، وهي صفة ذاتية خبرية نثبتها كما أثبتها الله عز وجل لنفسه في كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل دلَّ عليها الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة: 64 ]، وقوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ ﴾ [ ص: 75]، وآيات أخرى.
ومن السنة: حديث الباب حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يَمِينُ اللّهِ مَلأى"، وفي لفظ البخاري: "يد الله ملأى"، وفي الحديث: "وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض”.
وأيضًا حديث ابن عمرو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن المقسطين عند الله، على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين…."؛ رواه مسلم، وأحاديث أخرى
وأيضًا أجمع السلف في إثبات اليدين لله حقيقة، فيجب إثباتهما من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ [انظر هذا الإجماع في شرح لمعة الاعتقاد للشيخ ابن عثيمين ص 49]…..
الفائدة الرابعة: في الحديث إثبات العرش لله تعالى؛ حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث الباب ((وكان عرشه على الماء))، وفي السنة أحاديث كثيرة، بل لشيخ الإسلام رسالة اسمها (الرسالة العرشية)، ذكر فيها أحاديث في إثبات عرش الرحمن كثيرة، وذكر فيها بعض الأحاديث الضعيفة، ونبَّه عليها، وفي القرآن آيات في إثبات العرش؛ منها قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ﴾ [هود: 7 ]، ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 17]، والآيات كثيرة، وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم، حينما نقلوا الإجماع في استواء الله على عرشه استواءً يليق بجلاله.
قال الإمام الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته"؛ [انظر فتح الباري 13/ 417].
وقال الإمام ابن بطة العبكري شيخ الحنابلة: "أجمع الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه، ولا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية، وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين، فمرقوا من الدين، وقالوا: إن الله ذاته لا تخلو منه مكان"؛ [انظر ا:لإبانة 3/ 136].
ومن شعر عبدالله بن رواحة - رضي الله عنه -:
شهدت بأن وعد الله حق ،، وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ،، وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ،، ملائكة الإله مسوِّمينا
والعرش هو أعظم المخلوقات:
قال تعالى: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنين: 116]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [التوبة: 129]، وقال تعالى:﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾ [البروج: 15].
قال القرطبي رحمه الله: "خصَّ العرش لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه"؛ [انظر تفسير القرطبي 8/ 302، 303].
وقال ابن كثير رحمه الله: "﴿ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾؛ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش، مقهورون بقدرة الله تعالى"؛ [انظر تفسير ابن كثير 2/ 405].
♦ والعرش فوق الكرسي الذي هو فوق السماوات؛ [انظر الصواعق المرسلة لابن القيم 4/ 1308].
وصف الله عز وجل العرش َ بأنه عظيم ومجيد وكريم:
تقدمت الآيتان الدالتان على وصفه بأنه عظيم ومجيد، وأما وصفه بأنه كريم، فقد قال تعالى: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنين: 116].
وللعرش حملة من الملائكة يحملونه:
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [غافر:7].
وهؤلاء الحملة على خِلقة عظيمة، عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: ((أذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام))؛ رواه أبو داود (4727)، وقال ابن حجر: "إسناده على شرط الصحيح"، [انظر فتح الباري 8/ 665].
والعرش يختلف عن المُلك ويختلف عن الكرسي:
قال ابن أبي العز الحنفي - رحمه الله -: "وأما من حرَّف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 17]، وقوله ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ﴾ [هود: 7]، أيقول: ويحمل ملكه يومئذٍ ثمانية، وكان ملكه على الماء ويكون موسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم الملك؟ هل يقول هذا عاقل يدرك ما يقول.
وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ [البقرة: 255]، وقد قيل: هو العرش، والصحيح: أنه غيره، نُقل ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره رواه ابن أبي شيبة في كتاب "صفة العرش” والحاكم في “مستدركه"، وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: "وسع كرسيه السماوات والأرض"، أنه قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى: وقد روي مرفوعًا، والصواب أنه موقوف على ابن عباس"؛ [انظر شرح العقيدة الطحاوية ص (312، 313)].
وقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله-: "والصواب أن الكرسي موضع القدمين، والعرش هو الذي استوى عليه الرحمن سبحانه"؛ [انظر القول المفيد شرح كتاب التوحيد (3/ 393،394)]. مختصر الشرح ومتمه: هنا




















